موقف أهل شمال فلسطين من نهاية الدولة العثمانية وبداية الاحتلال البريطاني
محسن محمد صالح
تصف الدراسة مشاعر سكان شمال فلسطين وهم يرون نهاية الدولة العثمانية ويستقبلون بداية الاحتلال البريطاني، من خلال دراسة وثائق الاستخبارات العسكرية البريطانية المحفوظة في ملفات وزارة الحرب وتلك الموجودة في مكتب السجلات العامة في لندن. فتصف مواقف أهل شمال فلسطين ومشاعرهم، والمعلومات عن مخاتير ووجهاء القرى ومواقفهم المحتملة، وتنظر في العوامل المؤثرة في مواقف الناس ومشاعرهم.
محسن محمد صالح*
موقف أهل شمال فلسطين
من نهاية الدولة العثمانية
وبداية الاحتلال البريطاني
مقدمة
احتلت القوات البريطانية المناطق التابعة لسنجق بيت المقدس – بحسب التقسيم الإداري العثماني – في إثر الحملة العسكرية التي قادها الجنرال أللنبي (Allenby) في الفترة تشرين الأول/أكتوبر – كانون الأول/ديسمبر 1917، وانتهت أهم مراحلها باحتلال القدس في 9 كانون الأول/ديسمبر 1917.(1)
وتغطي الدراسة التي نحن بصددها العام الأخير من الحرب العالمية الأولى، أو الفترة بين احتلال سنجق بيت المقدس وبين بدء الحملة الثانية الكبرى للقوات البريطانية لاحتلال باقي شمال فلسطين وسورية والأردن ولبنان، والتي بدأت في منتصف أيلول/سبتمبر 1918، وانتهت في آخـر تشرين الأول/ أكتوبـر 1918.(2)
تُرى، كيف كانت مشاعر سكان شمال فلسطين وهم يرون نهاية الدولة العثمانية التي ألِفوها خلال القرون الأربعة الماضية، وكيف استقبلوا بداية الاحتلال البريطاني؟ لقد أشار بعض الكتابات إلى جانب من مواقف السكان ومشاعرهم في تلك الفترة، وإن لم تفرد لها مباحث خاصة. فمثلاً، تحدث كامل خلة عنها مستنداً إلى الصحف والمجلات العربية المنشورة في تلك الفترة.(3) كمـا أن دورين إنغرامز (D. Ingrams) أشارت إلى شيء من ذلك من خلال التركيز على وثائق الخارجية البريطانية.(4) أمّا في هذا المقال فسنسلط الضوء على الموضوع من خلال دراسة وثائق الاستخبارات العسكرية البريطانية المحفوظة في ملفات وزارة الحرب البريطانية (War Office/W.O.)، وتلك الموجودة في دار الوثائق البريطانية في لندن (Public Record Office/P.R.O.). وتنبع أهمية هذه الوثائق من أنها كانت تكتب في شكل تقارير يومية، مترافقة مع نشاطات الجيش البريطاني الذي كان يقوم بعمليات احتلال فلسطين في تلك الفترة؛ وبالتالي أمكن لها أن تعايش الأحداث، وأن توفر تفصيلات تفتقر إليها المصادر الأُخرى. وعلى الرغم من أن هذه التقارير تتحدث عن موضوعات شتى، فإننا نستطيع أن نجد في ثناياها إشارات وأخباراً ومواقف متنوعة تتعلق بالموضوع الذي نقوم بدراسته.
على أنه يجب التنبه على أن هذه التقارير لا تعكس دائماً وبدقة مشاعر الناس ومواقفهم، وإنما تعكس في أحيان كثيرة الرؤية البريطانية للأمور، أو الصورة التي أرادت الاستخبارات أن تظهرها، أو الشعور الذي ذكره الناس للبريطانيين أو عملائهم، وهو شعور يحتمل المجاملة أو المبالغة، وخصوصاً في ظروف الحرب وعدم الاستقرار. لكنها – في أية حال – تتضمن كثيراً من الصحة، وتضيء إحدى زوايا الموضوع، لتتكامل من خلال الدراسة النقدية المقارنة مع الزوايا التي سبق أن أضاءتها المصادر الأُخرى.
تنقسم هذه الدراسة قسمين:
الأول: مواقف أهل شمال فلسطين ومشاعرهم. وهو يشتمل على قراءة وصفية مسحية لمواقف مختلف المناطق.
الثاني: العوامل التي أثرت في مواقف الناس ومشاعرهم. وفيه سنحاول استنباط هذه العوامل من الأحداث والمواقف التي عكستها هذه التقارير. وهي طبعاً عوامل لم تشر إليها التقارير بشكل مرتب أو منفصل، وإنما اجتهدنا فيها من خلال مطالعة النصوص واستقرائها ومقارنتها.
أولاً: مواقف أهل
شمال فلسطين ومشاعرهم
أول ما تجب الإشارة إليه هو أننا ندرس فترة تحول، تعكس أوضاعاً قلقة غير مستقرة، وتناوشت الناس ومشاعرهم فيها ظروف متقلبة، وأحداث متسارعة، وعوامل شد وجذب متعددة. فالحرب ما زالت قائمة ولم تحسم نتيجتها بعد. وظِلُّ الدولة العثمانية لا يزال موجوداً في معظم بلاد الشام، والقوات البريطانية لم تكن كسبت عملياً سوى جنوب ووسط فلسطين (سنجق بيت المقدس). وفي الوقت الذي كانت "شائعات" الاتفاقات البريطانية – الفرنسية، والعهود البريطانية للصهيونية، تثير المخاوف والرعب بغدٍ مظلم، كانت أخبار التحالف البريطاني مع الثورة العربية تثير الآمال الكبار بمستقبل مشرق.
وعلى ذلك فمن المهم التنبيه إلى أن ما تذكره التقارير البريطانية من ترحيب متوقع بالبريطانيين، أو تأييدهم، لا يعني إطلاقاً حالة من اللاوطنية أو القبول بالاستعمار، وإنما يعكس، في الأساس، تلك الآمال بدولة عربية أو خلافة إسلامية بزعامة الشريف حسين، تحل محل الحكم التركي الذي كان كثيرون يعدونه فاسداً، وخصوصاً بعد سيطرة جماعة "الاتحاد والترقي" عليه. لذلك فإن ورود مواقف في هذه الدراسة لأشخاص أو عائلات أو قرى ومدن، يجب أن يؤخذ في هذا السياق، مع احترامنا وتقديرنا لكل اسم يرد في هذه الدراسة.
في آذار/مارس 1918، أعدت الاستخبارات العسكرية البريطانية أهم تقرير لها عن الأوضاع الاقتصادية والسياسية في شمال فلسطين.(5) يتناول هذا التقرير أوضاع مئة مدينة وقرية، ويتضمن جدولاً، من 10 صفحات، باسم كل قرية وعدد سكانها وسلوكها المتوقع تجاه البريطانيين وأوضاعها التموينية، مع بعض الملاحظات العامة إن وجدت. ومن خلال استقرائنا للجدول لاحظنا أن الاستخبارات العسكرية البريطانية توقعت أن يكون سلوك 78 مدينة وقرية سلوكاً إيجابياً، فأعطى صفة السلوك الودي (Friendly) لـ 75 منها، مثل مدينتي حيفا والناصرة، وقرى عيلبون وعنبتا وعرعرة وعتيل وبرقة وحوارة وكفر كنّا وقلنسوة وسلفيت والطيرة وزيتا… وغيرها. وتوقع أن يكون سلوك بيسان وبنت أم جبيل* ودياً بشكل مقبول (Fairly friendly). أمّا قرية كفر ياسيف فكانت الوحيدة التي توقع التقرير منها سلوكاً ودياً جداً (Very friendly). ووصف سكان قرية أندور بأنهم محافظون ولا يتوقع منهم سلوكاً ودياً جداً (Not very friendly). أمّا مدينة جنين فتوقَّع أن يكون سلوك أهلها مختلطاً (Mixed).
وتوقع التقرير سلوكاً معادياً من 12 مدينة وقرية، فوصف سلوك سبعة منها بأنه معاد (Hostile)، وهي: عكا، وعرابة، ويارون، وكفر مندة، وكفر كنّا، وعرابة البطوف، وعناتا. ووصف سلوك أهل كفر سابا في الجدول بأنه غير ودي (Unfriendly)، في حين وصفه في موضع آخر بأنه معاد. ووصف سلوك أهل لوبية بأنه معاد وخطر (Hostile & dangerous)، وأهل سبسطية بأنهم متعصبون ومعادون (Fanatical & hostile)، وأهـل صفورية بأنهـم مسلمون متعصبون (Moslems fanatical)، أمّا قلقيلية فوصف سلوك أهلها بأنـه غير ودي وغير مبـال (Unfriendly & unwilling).(6)
بالإضافة إلى ذلك، لم يتوقع التقرير سلوكاً محدداً (Uncertain) من قرى الحارثية ونحف وشعب والشيخ بريك. ووصف سلوك أهل طبرية والعفولة بأنه مشكوك فيه (Doubtful)، وهناك قرية وحيدة أعطاها صفة السلوك المحايد (Neutral) هي عالوت**.(7)
ومما يلفت النظر أن التقرير أدرج في جدوله مدينتي يافا وبيت لحم، على الرغم من أنهما كانتا تحت الاحتلال البريطاني بخلاف باقي المدن والقرى التي تعرض لها، في حين لم يدرج مدينة نابلس وإنما أفرد لها تقريراً خاصاً. في المقابل، أهمل مدينة مهمة في شمال فلسطين هي صفد، مثلما أهمل عشرات القرى الأُخرى. ولعل التقرير رأى في تقديم صورة محددة لنحو مئة مدينة وقرية أمراً كافياً لتقويم الوضع، وربما حالت أسباب فنية لوجستية دون تحصيل معلومات أُخرى.
يضيف التقرير أنه يتوقع بصورة عامة سلوكاً ودياً من السكان تجاه البريطانيين، لكنه يستدرك أنه ربما كان أفضل تعبير عن مشاعرهم الحقيقية هو المثل العربي القائل "أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب."(8) أي أن التقرير يعترف بأن السلوك الودي لا يعبر بالضرورة عن المشاعر الحقيقية، ولا يعني بالضرورة حباً حقيقياً. بل لعله يعترف ضمنياً بأن أهل شمال فلسطين أقرب نفسياً إلى الأتراك منهم إلى البريطانيين.
أولى التقرير نابلس اهتماماً خاصاً فتحدث عنها في ثلاث صفحات تقريباً، وقدر عدد سكانها بنحو 25.000 نسمة. وأورد أن رئيس نقابة التجار هو بدوي عاشور، وهو مؤيد للأتراك، واعتبر أصحاب الأسماء التالية خطرين ومؤيدين للأتراك: الشيخ رأفت؛ شكور جوهري؛ أحمد الشكعة؛ محمود تهليوني؛ عائلة عبد الكريم اليوسف؛ عائلة طوقان (وأهم أفرادها بشير بك طوقان الذي يسيطر على قرى زواتا وكفل حارث ودير شرف وطلوزة)؛ عائلة عاشور (باستثناء يوسف عاشور) وهي تسيطر على قرية بيت إيبا؛ حيدر اليوسف الذي يسيطر على قرية بورين؛ عائلة الفاهوم؛ عائلة عباس؛ عائلة أبو حمد.(9)
وذكر التقرير مجموعة من الشخصيات والعائلات التي توقع أن تؤيد البريطانيين، وأن تقدم لهم المساعدة. وتأييد البريطانيين هنا لا يُفهم منه أكثر من أنه معاداة للأتراك وتأييد للثورة العربية، كما أشرنا سابقاً. وممن ذكرهم التقرير: الحاج طاهر حجاوي؛ شافع عبد الهادي، وهو يتحكم في قرى عورتا وسبسطية وبيت أمرين؛ الشيخ نمر الداري، وهو يسيطر على قرية صرة، وقد وصفه التقرير بالذكاء لكنه في المقابل عده غير جدير بالثقة؛ الشيخ سعيد حيان وأولاده الذين يتحكمون في قرية رفيديا. ولفت التقرير النظر إلى أن عائلة عبد الهادي هي الأكثر أهمية وسط ملاّك منطقة نابلس، وأن أفرادها يتميزون بالذكاء الشديد وعدم التعصب، لكنه ادعى أنهم ظالمون جداً للفلاحين الذين يخافونهم ولا يحبونهم. ومن جهة أُخرى، تحدث عن عمر زعيتر فوصفه بأنه يعادي الأتراك بقوة لكن سراً، وإنه استفاد بصورة كبيرة من الفرص المتاحة لإثراء نفسه فأصبح ذا نفوذ واسع.(10) أمّا العناصر التالية فيتوقع التقرير أن تسلك سلوكاً محايداً وهي: عائلة النابلسي (التي تتحكم في قرية حوارة)؛ عائلة كمال (التي تتحكم في قرية عينبوس)؛ توفيق حماد الذي انتخب في السابق ممثلاً لنابلس.(11)
وتحدث التقرير عن حيفا فأورد أن عدد سكانها يبلغ 25.000 نسمة، ثلثهم مسلمون، وأن العائلات التالية هي عائلات مسيحية صديقة للبريطانيين: الخوري؛ أبيض؛ صيقبي*؛ فخر؛ بكوس. وتحدث عن عبد الله حمودة فقال إنه محام ومالك أراض ذو نفوذ، ومعاد للأتراك. وذكر أن مسعود الماضي ذو نفوذ عظيم، ومعاد للأتراك. وأضاف أن عائلة الماضي هي من إجزم قرب حيفا، وأنها عائلة ذات تأثير، وأفرادها كلهم معادون للأتراك ومؤيدون للبريطانيين. أمّا فوزي ابن صادق باشا فوصفه بأنه قاطع طريق كبير، وبأنه يدير عصابة من مئة شخص، لكنه ذو شخصية ذكية جذابة، ومؤيد جداً للبريطانيين.(12) ونقل تقرير آخر عن عربي من حيفا أُسر في 10 نيسان/أبريل 1918 أن طبقات حيفا كلها تنتظر البريطانيين بشوق، وأن شريف مكة يتمتع بالشعبية كمدافع عن الحقوق العربية في مواجهة الأتراك.(13)
ونقلت تقارير الاستخبارات عن ضابط عربي أسير أن شعبية الأتراك في جنين ضعيفة جداً، إذ إن الأخ الشقيق لباشا جنين أعدم بسبب ميوله المؤيدة للبريطانيين (يقصد إعدام سليم عبد الهادي). كما نقلت عن أحد اللاجئين من قرية الطيبة أن لدى العرب في تلك المنطقة الكثير من الأسلحة والعتاد المخبأ، وهم ينتظرون السيطرة على السلط كي يدخلوا بصورة فعالة الحرب ضد الأتراك.(14)
من جهة أُخرى، قدّم المؤرخ الفلسطيني إحسان النمر صورة مختلفة إلى حد ما، وإن كانت غير مفصلة، للوضع في لواء نابلس في تلك الفترة، إذ عايش بنفسه تلك الأحداث. فقال إن الأتراك بعد أن شعروا بخطئهم في التعامل مع العرب نقلوا جمال باشا السفاح إلى القوقاس، وتخلوا عن الكلمات القذرة المسيئة للعرب، ودعوا وجهاء نابلس إلى الاجتماع بالقائد فوزي باشا الذي أطلعهم على نيات الحلفاء وطلب منهم تجديد الحماسة للجهاد فوافقوه، وخرجت التظاهرات المؤيدة لذلك، وصار يجتمع إلى وجهاء وعلماء نابلس ويلبي طلباتهم. وأضاف أن القادة الأتراك جمعوا الناس في الجامع الكبير، وأعلموهم بوعد بلفور واتفاقية سايكس – بيكو وخطط الحلفاء "فَلانَ الناس وصاروا يتعاونون مع الجيش والحكومة." (15) وكانت الدولة العثمانية عينت جمال باشا الصغير مكان جمال باشا السفاح في أوائل سنة 1918، وقد مدحه خليل السكاكيني في مذكراته مشيراً إلى عفوه عن الشيخ سعيد الكرمي مفتي طولكرم، وعن حسن حماد من رجالات نابلس، اللذين كان صدر بحقهما حكم بالإعدام، فكتب في 19 آذار/مارس 1918: "بمثل جمال باشا، الصغير في اسمه الكبير في مروءته وشخصيته، تبنى الممالك وتحيا الأمم وتمتلك القلوب." (16) كما ذكر محمد عزة دروزة في مذكراته أنه كان حسن السيرة والنية.(17) ولعل هذا ساهم جزئياً في تخفيف حدة العداء للأتراك، إلاّ إنه كان متأخراً، ولم يكن كافياً في ضوء تيار الأحداث الجارف.
مخاتير ووجهاء القرى
اهتمت التقارير الاستخباراتية البريطانية بتوفير المعلومات الضرورية عن مخاتير ووجهاء القرى ومواقفهم المحتملة، وكانت تكتفي بإيراد سطر أو سطرين عن كل شخصية لتكون مرشداً للتعامل معها إذا ما استدعت الحاجة، وخصوصاً في حالة الاحتلال البريطاني للمنطقة. وكان أكثر ما يعني البريطانيين درجة التأييد أو العداء المحتملة، والانطباع الشخصي العام.
وقد ذكر أحد التقارير عدداً من المخاتير والوجهاء الذين اعتبرهم مؤيدين للبريطانيين: الخوري حنا (قرية عيلبون)؛ حمدان الحاج أحمد (قرية باقة) وهو معاد عنيف للأتراك؛ عمر ومحمد الحاج سعيد (قرية بديا)؛ جابر علوي (قرية كفل حارث)؛ إسماعيل سلامة (قرية كفر ثلث)؛ الشيخ صالح عياش (قرية رافات)؛ عبد الرازق داود ومحمد الناشف وعبد القادر الناشف (قرية الطيبة)؛ حسن سعيد (قرية أم الفحم)؛ الشيخ مصطفى شكور (قرية الزاوية)؛ محمد الحاج أسعد (قرية جمّاعين)؛ أبو بكر الموسى (قرية عينبوس)؛ شريف المحمود (قرية جينصافوط)؛ محمد القاسم وإدريس عودة والشيخ عبد الله عبد الحفيظ (قرية كفر قاسم)؛ الشيخ عبد الباقي عبد الحق (قرية زيتا).(18)
وهناك شخصيات وصفت بأنها معادية للأتراك من دون أن يذكر أنها مؤيدة للبريطانيين مثل: عبد العزيز، مختار قرية عرابة؛ موسى أحمد عبد الله (قرية عبوين)؛ حسن العراقي (قرية إماتين)؛ داود حمدان (قرية عرورة)؛ محمد عثمان (قرية عزون)؛ علي عبد الهادي (قرية برقين)؛ يوسف عمران (قرية بورين)؛ سليمان عبد القادر ومصطفى عبد الهادي (قرية حبلة)؛ صالح جبالي (قرية حارس)؛ مصطفى داود (قرية قراوى بني زيد)؛ أحمد الحمدالله (قرية عنبتا) الذي ذكر أيضاً أنه ذكي بما يكفي لإخفاء كرهه للأتراك، ولذلك ظل مفضَّلاً لدى جمال باشا. وفي منطقة طولكرم ذكر التقرير أن أبرز الشخصيات المعادية للأتراك عبد الرحيم حنون وعبد الرحيم الجيوسي، وفي المقابل ذكر أن عبد الرحيم الحاج إبراهيم مؤيد جداً للأتراك. أمّا في قلقيلية فهناك انقسام بين وجهائها: فالمختار إبراهيم ناصر ومعه محمد الغسان والشيخ يونس وعبد الكريم يوسف ومحمد الشنطي وسعيد الشنطي مؤيدون للأتراك، في حين أن عبد الله صباح وعبد الرحيم صباح وعبد القادر صباح وصالح شاكر مؤيدون للبريطانيين.(19)
وهناك قرى أُخرى كان مخاتيرها ووجهاؤها مؤيدين للأتراك مثل: الشيخ موسى (قرية عتليت)؛ الشيخ صالح (قرية بلوط*)؛ فارس المسعود (قرية برقة)؛ يوسف عبد الجواد (قرية الكفرين)؛ عبد الله أحمد (قرية كفر قرع)؛ الشيخ إبراهيم حمد (قرية الُلَّبن)؛ كامل عبد الهادي (قرية سبسطية)؛ الشيخ أحمد المصري (قرية زيتا)؛ إبراهيم عمر العمر (قرية عوريف).(20)
وفي أية حال، عندما أتم البريطانيون احتلال شمال فلسطين، في أواخر أيلول/سبتمبر 1918، ذكرت تقارير الاستخبارات العسكرية البريطانية "أنه على الرغم من أن السكان مصعوقون إلى حد ما بسبب تسارع الأحداث، فإنهم وُدِّيون جداً في كل مكان، وهناك أغلبية كبيرة تشعر بالسعادة بسبب الاحتلال البريطاني، بغض النظر عن معتقدهم أو جنسهم. وقد انتشرت حماسة واسعة بسبب هزيمة الأتراك."(21) ومرة أُخرى نلاحظ خلطاً لا يتسم بالبراءة بين سعادة الناس بانتهاء الحرب، وقرب تحقيق استقلالهم الذي وعدت به بريطانيا، وبين السعادة بالاحتلال نفسه، والذي أثبتت الأيام القليلة التالية له أن لا أساس لها من الصحة. فالخطابات ومذكرات المجاملة والتهنئة للإنكليز – حتى في البدايات الأولى للاحتلال – كانت عادة تتضمن أمرين:
(1) المطالبة بتحقيق الاستقلال؛
(2) التحذير من الموافقة على المشروع الصهيوني، وبيان مخاطره على مستقبل شعب فلسطين.(22)
وخلال بضعة أشهر من بداية الاحتلال، تزايدت حالة المرارة والعداء تجاه بريطانيا، بعد أن بدأ الفلسطينيون يتبينون مدى ارتباطها بالمشروع الصهيوني، ومدى التزامها تعهداتها تجاه فرنسا، وجحودها لتعهداتها للشريف حسين. لذلك حذر عدد من المسؤولين البريطانيين في فلسطين من حالة العداء الشعبي المتزايد، مشيراً إلى إمكان حدوث ثورة خطرة، ومؤكداً أن ليس في وسع أي قوة منتدبة تنفيذ البرنامج الصهيوني إلاّ بالقوة.(23) وأشار أحد التقارير إلى انتشار واسع لدعاية "الجامعة الإسلامية" (Pan-Islam)، وأن العداء للصهيونية يزداد بصورة كبيرة، وأن النشاط اتخذ الآن شكلاً معادياً جداً للبريطانيين.(24) وقد خيب أهل فلسطين آمال بريطانيا في مقابلاتهم مع لجنة كنغ – كرين (King-Crane) في حزيران/يونيو 1919 بشأن تقرير المصير، ورفضوا الانتداب البريطاني، وطالبوا بالاستقلال والوحدة مع إخوانهم العرب.(25)
ومهما يكن من أمر، فإن العرض السابق للمناطق يشير إلى نوع من تداخل المشاعر، وإلى أشكال متباينة من السلوك تجاه العثمانيين والبريطانيين في أجواء وأوضاع غير مستقرة.
ثانياً: العوامل المؤثرة
في مواقف الناس ومشاعرهم
(1) الثورة العربية الكبرى
لا شك في أن الثورة العربية التي أعلنها الشريف حسين بن علي في حزيران/يونيو 1916 كانت أحد العوامل الحاسمة في تحديد موقف الناس من الحكم العثماني، وفي طريقة استقبالهم الاحتلال البريطاني. وإذا تتبعنا مواقف الناس في أثناء الحرب العالمية الأولى، 1914 – 1918، نستطيع أن نلمس فارقاً كبيراً قبل قيام الثورة وبعده. فقد كان الجو العام يتجه نحو تأييد العثمانيين في حربهم ضد بريطانيا وحلفائها. وجرت حملات تعبئة كبيرة داخل فلسطين لدعم العثمانيين، واستُقبل الجيش العثماني بحفاوة كبيرة، وتطوع كثيرون في الحملة العثمانية ضد البريطانيين في مصر، وذهب وفد من علماء بلاد الشام إلى إستنبول لتهنئة العثمانيين بانتصاراتهم في جناق قلعة سنة 1915، وكان بينهم عدد من رجالات شمال فلسطين أمثال أسعد الشقيري وإبراهيم العكي وعبد الرحمن عزيز من عكا، ومحمد مراد وعبد الرحمن الحاج من حيفا، ورفعت تفاحة من نابلس.(26) غير أن إصرار حكومة "الاتحاد والترقي" على استمرار تجاهلها مطالب العرب، وتنكرها لوعودها التي قطعتها، وتعيينها جمال باشا الذي نكّل بكثير من قياداتهم ورموزهم، واستمرارها في سياسة علمنة الدولة، وتغييب الهوية الإسلامية للدولة، كل ذلك أفقد المسلمين من القوميات الأُخرى أهم عناصر وأسباب الحب والولاء للدولة.(27)
وقد شارك العرب في شمال فلسطين، منذ وقت مبكر، في الحركة القومية العربية والجمعيات العربية السرية والعلنية، والتي كان من أبرزها حزب اللامركزية والجمعية العربية الفتاة. وقبضت السلطات العثمانية على عدد من الأعضاء المنتمين إليها وأعدمتهم، أمثال سليم عبد الهادي (من رجالات منطقة نابلس وجنين)، أو سجنتهم مثل سعيد الكرمي مفتي طولكرم.(28) وكان لمنطقة حيفا نشاط بارز في هذا المجال برز فيه نجيب نصار وجميل البحري، على سبيل المثال لا الحصر.(29)
كان تحالف الشريف حسين مع البريطانيين ذا تأثير كبير في قطاعات واسعة من أبناء فلسطين، الذين رأوا في البريطانيين حلفاء يقدمون الدعم في سبيل إنشاء الدولة العربية. وقد اعترفت التقارير البريطانية في تلك الفترة بأنه تم تشجيع مثل هذه المشاعر. فيذكر تقرير لجنة بالين – مثلاً – أن الخيال العربي كان مشتعلاً برؤية إمبراطورية عربية تحت حكم شريف مكة، وأن عرب فلسطين – بمن فيهم المسيحيون – كانوا يحلمون بذلك. ويعترف التقرير بأن النتيجة كانت تحوّل المشاعر عن الأتراك إلى شعور ودي تجاه "الاحتلال البريطاني". ويضيف أن هذا الشعور تم تشجيعه بكل سبل الدعاية الممكنة لوزارة الحرب البريطانية. وذكر أن الانطباع الأولي لدى العرب كان أن البريطانيين يقومون بإنشاء دولة عربية تتضمن فلسطين، وأن سياسة الحلفاء المعلنة، المؤيدة لتقرير المصير للشعوب الصغيرة، شجعت الفلسطينيين على "الظن" أنه سيسمح لهم بالاتحاد مع الدولة العربية الكبرى.(30)
وعلى الرغم من انتشار "شائعات" في فلسطين، في تلك الفترة، عن وعد بلفور لليهود وعن اتفاقية سايكس – بيكو بين فرنسا وبريطانيا، فإن التأكيدات والوعود البريطانية التي استمرت في الصدور طوال سنة 1918 (والتي كان أبرزها تأكيدات هوغارت (Hogarth) في شباط/فبراير 1918، والتصريح البريطاني للسوريين السبعة في حزيران/يونيو 1916، والتصريح الأنغلو – فرنسي في تشرين الثاني/نوفمبر 1918)، كانت تحمل وعوداً بالحرية والاستقلال وقيام حكومات وطنية وفق رغبات السكان.(31) وقد ساهم ذلك في استمرار حالة التأييد والسلوك الودي تجاه البريطانيين، كما ساهم على الأقل في شل أي استراتيجيا تحرك عربي فعال مضاد للبريطانيين، وتحويل الناس إلى حالة من الترقب بانتظار انتهاء الحرب وتقرير مصير فلسطين.
وتعكس تقارير الاستخبارات البريطانية جانباً من حالة التأييد للثورة العربية الكبرى، فتذكر أن المسلمين في فلسطين أظهروا تعاطفاً كبيراً مع الشريف حسين، وأن الحكومة البريطانية تواصل إبلاغه ذلك، لكن الشريف بقي متحفظاً، خشية الدعاية المعادية.(32) وتنقل التقارير عن عربي مسيحي قُبض عليه في الأول من أيار/مايو 1918، وكان يعمل ضابطاً طبيباً في الجيش العثماني، أن المسلمين العرب متشوقون ليروا استعادة الخلافة العربية.(33) وورد في تقرير مؤرخ 10 أيار/مايو 1918 أن العرب يميلون إلى ملك الحجاز باعتباره رأس دينهم، ويتوقعون أن يقوم بتأليف حكومة عربية في سورية.(34) ونُقل عن عربي من حيفا أُسر في 10 نيسان/أبريل 1918 أن كل الطبقات في حيفا تنتظر البريطانيين بشوق، وأن شريف مكة يتمتع بالشعبية كمدافع عن الحقوق العربية في مواجهة الأتراك.(35) وذكر تقرير آخر أنه "فيما يتعلق بالحركة العربية، فإن العرب في حلب ودمشق وبيروت ونابلس والمناطق المجاورة يرون أن البريطانيين مدينون كثيراً في نجاحهم في فلسطين للمساعدة العربية، وأن العرب كلهم (مع وجود استثناءات قليلة جداً) يشيرون إلى اسم الشريف باحترام، على الرغم من شعورهم بالخوف. إن أفكارهم عن مملكة الحجاز غير واضحة، لكنهم يأملون بأن يأتي الشريف على رأس قوة كبيرة ليحررهم من الظلم التركي."(36)
وتؤكد تقارير الاستخبارات البريطانية وجود حالات هرب واسعة وسط الفلسطينيين من الجيش العثماني، كما تشير إلى انضمام أعداد منهم لا يستهان بها إلى قوات الثورة العربية الكبرى، الأمر الذي يؤكد قوة تأثير هذا العامل في أبناء فلسطين. فتشير التقارير، مثلاً، إلى أن عدد الهاربين من الجندية الذين استقروا في منطقة الخليل بلغ 5000 رجل،(37) وفي منطقة المجدل 2882 هارباً، منهم 791 مقاتلاً،(38) وفي يافا 1947 رجلاً.(39) من ناحية أُخرى، نشط دعاة الثورة العربية الكبرى في تجنيد أبناء فلسطين للانضمام إلى الثورة، وأنشأوا في حزيران/يونيو 1918 مكتباً رسمياً للتطوع بتشجيع بريطاني.(40) وكانت تقارير الاستخبارات البريطانية تشير بين آن وآخر إلى تطور أعداد المنضمين إلى الثورة، فتذكر مثلاً أنه حتى 27 تموز/يوليو 1918 وصل عدد المجندين – في جيش الشريف – في القدس إلى 534 مجنداً.(41) وبحسب ما يشير جورج أنطونيوس فإن عدد المتطوعين في جيش الشريف بلـغ 2000 رجل،(42) وهو رقم معقول نسبياً قياساً بالأرقام التي أشارت إليها الاستخبارات البريطانية في مناطق متعددة وفي أوقات متباينة.
من جهة أُخرى، نلاحظ أن أعداداً كبيرة من الهاربين من الجندية فضلت عدم الانضمام الفعلي إلى جيش الشريف، لأسباب مختلفة، منها: الانشغال بتحسين الأحوال المعيشية لعائلاتهم التي كانت تعاني ظروفاً اقتصادية صعبة نتيجة الحرب، وعدم الاطمئنان إلى الوعود البريطانية، والخوف من المشروع الصهيوني. وقد ذكر عدد من المسلمين أنهم "لا يعرفون لماذا يجب أن يقاتلوا كي يعطوا فلسطين لليهود."(43) وذكر المؤرخ الفلسطيني إحسان النمر في شهادته عن لواء نابلس أن كثيرين من الفارين، عندما علموا بوعد بلفور واتفاقية سايكس – بيكو، تطوعوا وسجلوا أنفسهم من جديد في طابور المجاهدين، "إذْ قَنع الناس بالخطر وأن الترك أخف وطأة من الحلفاء. ولم يكن أثر للثورة العربية يذكر في نابلس."(44)
لذلك ربما نستطيع القول إن الثورة العربية كانت عاملاً مهماً في إضعاف العثمانيين وتحييد أبناء شمال فلسطين، إلاّ إنها لم تكن عاملاً فعالاً في تجنيد أعداد كبيرة منهم، بسبب المخاوف التي كانت تجد صداها لديهم.
(2) العامل الديني
لا يمكن تجاهل العامل الديني لدى السكان في تحديد مواقفهم من العثمانيين والبريطانيين، وخصوصاً أن التدين كان لا يزال عميقاً في النفوس في تلك الفترة. وكنا رأينا أن جانباً كبيراً من تأييد السكان للثورة الكبرى كان على أسس دينية. ويبدو لنا أن العامل الديني استُخدم بصورة فعالة من الطرف المؤيد للعثمانيين، ومن الطرف المؤيد للثورة العربية وحلفائها، وذلك من أجل تأكيد الشرعية وتجميع الأنصار. ولعل ذلك التعارض أدى إلى تعادل تأثير العامل الديني، ولم يكن أمراً حاسماً في كسب المؤيدين عند أي طرف من الأطراف. فبينما لجأ العثمانيون إلى حشد الأنصار على أساس دعم الخلافة الإسلامية وسلطان المسلمين، وحماية بلاد الإسلام من الكفار، لجأ أنصار الثورة العربية إلى الطعن في حقيقة الالتزام الديني لقادة "الاتحاد والترقي" وإبراز انحرافاتهم، والتشديد على أحقية العرب في إقامة الخلافة بقيادة زعيم حزب عربي من السلالة النبوية، وعلى جواز التحالف مع بريطانيا – كما تحالف الأتراك مع الألمان – التي أعطت العهود والمواثيق بإقامة الحكم العربي.
ومن خلال دراسة الوثائق البريطانية يظهر واضحاً أن بريطانيا أدركت قيمة العامل الديني في حربها مع العثمانيين. وقد أشارت الوثائق إلى أن من أبرز أهداف تحالف بريطانيا مع الشريف حسين كان إلغاء التأثير الديني لنداء الجهاد الذي أصدره الخليفة العثماني، وعدم تحويل حرب الدولة العثمانية ضد البريطانيين إلى حرب دينية تؤدي إلى إثارة المسلمين، لا في الدولة العثمانية فقط بل أيضاً في البلاد التي يسيطر عليها الاستعمار البريطاني، مثل مصر والسودان والهند وجنوب الجزيرة العربية. كما أن قيام ثورة عربية بقيادة تتمتع باحترام المسلمين دينياً وتاريخياً سيؤدي إلى كسر الروح المعنوية التركية،(45) ويعطي بريطانيا مسحة من "الصدقية" تظهرها بمظهر الحليف المنقذ لا العدو المحتل.
وتشير الوثائق التي نقوم بدراستها إلى حالة الشد والإرباك التي عاشها أبناء فلسطين في تلك الفترة. فعلى الرغم من وجود نسبة كبيرة مؤيدة للثورة العربية وحلفائها إ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ